عنوان المقال مجرّد استعارة من عنوان مذكّرات الكاتب الفرنسي الفيكونت دي شاتوبريان "من وراء القبر"، الذي رافقه العنف منذ طفولته وآمن بالثورة ثم قاطع الإمبراطور نابليون بونابرت، وزَعَم في نصّه أنّه غيّر العالم، إذ إنّه رسم الصورة الأعنف في مذكراته لتبدُّل الأزمنة!
كان هنري كيسنجر يبدأ محاضراته حول السياسة الخارجية الأميركية في جامعة هارفارد بالقول التالي: "أيّها السيدات والسادة، إذا لم تكونوا مستعدّين لتكذبوا وتغشّوا وتسرقوا، وحتى أن تقتلوا، من أجل بلدكم، فيجب ألّا تكونوا في هذه المحاضرة". نقله دانيال شيهان محامٍ دستوري ومحامٍ في المصالح العامة، ومتحدث جماهيري، وناشط سياسي، ومعلّم. شارك في القضية القانونية الشهيرة لأوراق البنتاغون. وهذا الاقتباس مأخوذ من تجربته في حضور دورة هنري كيسنجر في السياسة الخارجية في جامعة هارفارد. وهذا ما قاله كيسنجر في اليوم الأول من الدورة.
أعتقد بما لا يدعو للشك، أنّ واشنطن وطهران يحفظان عن ظهر قلب هذا الدرس الكيسنجري غَيبِياً، خصوصاً في هذه الأيام الوجودية التي قد تكون واشنطن وطهران الأقرب إلى مواجهة عسكرية من أي وقت مضى في الذاكرة الحديثة، غير أنّهما لا يقفان على أعتاب حرب تقليدية. ما يجري اليوم لا يشير إلى إنهيار المسار الديبلوماسي، وإنّما إلى عسكرته، كما يرى الخبراء الاستراتيجيِّون المتابعون من كثب.
أسئلة كثيرة وقراءات أكثر من كل حدب وصوب تُحلّلان سيناريوهات الحرب مع إيران إذا اندلعت. وكيف ستبدو الحرب مع إيران؟ وهل السيناريو الأقرب سيكون حرباً شاملة أم ضربات محسوبة؟ وماذا سيكون ردّ فعل طهران؟
معظم الدراسات والأبحاث والتحليلات العربية والإقليمية والدولية الهائلة نوعاً وكمّاً، وضّحت كيف يمكن أن تفتح ضربة عسكرية "باب جهنّم" أو تفتح "باب التفاوض" و"تُعيد رسم توازن الصلابة في الأذهان" أو "رسم الحروب المفتوحة على مصراعيها على كل الاحتمالات".
وهنا يبرز سؤال أساسي يقول: "لماذا تختلف هذه المواجهة عن كل ما سبق؟". جسر جوي مرعب يمتد من واشنطن وقواعدها، ليُطوّق إيران من كل اتجاه؛ من تركمانستان وأرمينيا وأذربيجان شمالاً وشرقاً، إلى دول الخليج والأردن غرباً، وصولاً إلى حشد بحري يضمّ حاملتَي طائرات و30 قطعة حربية جنوباً. هذا ليس "ضغطاً للمفاوضات"، بل هو نذير بـ"عاصفة" تهدف لتدمير البنية العسكرية والسياسية للنظام الإيراني بالكامل.
كما أنّ الحشود الأميركية الحالية (عشرات آلاف الجنود، طائرات التزويد بالوقود، وبطاريات "ثاد" و"باتريوت") تشير إلى نية ترامب تدمير الحرس الثوري ومقرّاته الأمنية والسياسية، وليس فقط البرنامج النووي. الهدف هو "إسقاط النظام" عبر شلّ قدراته الدفاعية والهجومية في الساعات الأولى.
قد يراهن النظام في طهران على ضرب عمق إسرائيل للضغط على واشنطن لإيقاف الهجوم، لكنّ هذه الحسابات قد تكون خاسرة؛ فإسرائيل لم تدفع لهذا الصدام إلّا وهي مستعدة لتحمُّل الكلفة، كما أنّ الموجات الأولى للهجوم ستستهدف منصات الصواريخ لتعجيز طهران عن الردّ.
إسقاط النظام بهذه القوّة التدميرية قد ينتج منه فوضى تفوق غزو العراق بمرّات. التوقعات تشير لظهور تنظيمات انتقامية شرسة من رحم الحرس الثوري، لن يكون هدفها إقامة دولة، بل "الإنتقام المحض" الذي سيطال المنطقة والخليج تحديداً، ممّا يُدخلنا في نفق مظلم من الصراع الطائفي المسلح.
الخلاصة: نحن أمام مشهد حربي قد يُغيّر وجه الشرق الأوسط للأبد. التمنّي بأن تصمد إيران وتغرق الأساطيل في الخليج هو عاطفة متأخّرة، لأنّ لغة الميدان والحشود الأميركية الضخمة تقول إنّنا أمام "إعادة هيكلة" للمنطقة، ضحيّتها الأولى هي الاستقرار الشعبي.
وهنا يجب علينا طرح أسئلة مركزية على أنفسنا: هل تنجح إيران في امتصاص الضربة الأولى وبدء حرب استنزاف؟ أم أنّ القوّة الأميركية الحالية قادرة أن تحسم المعركة في أيام أو أسابيع معدودة؟ أو هل التحشيد الأميركي غير المسبوق يرسم نهاية قواعد الاشتباك؟ أو هل تؤدّي هذه العملية إلى دخول أطراف دولية أخرى - الصين على سبيل المثال لا الحصر - لها مصالح وجودية في مسار ونتائج هذه الحرب، التي أصبحت الطلقة الأولى على قاب قوسَين أو أدنى باتجاه إيران وأبعد؟
لم يعُد السؤال ما إذا كانت القوّة ستُستخدَم، بل ما إذا كان يمكن استخدامها من غير أن تنفتح أبواب صراع لا يرغب فيه أي من الطرفَين وأكثر، ويَصعُب عليهما احتواؤه إذا اندلع. تلك هي مفارقة المساومة بالقوّة، فهي توظف لتجنّب الحرب، لكنّها بدلاً من ذلك تقرّبها. تتحرّك إيران والولايات المتحدة اليوم داخل ممر ضيّق، لكل إشارة فيه وزنها، ولكل خطوة تبِعاتها، فيما يتقلّص هامش الخطأ على نحو يُنذر بالعواقب.